هاشم معروف الحسني

287

سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع )

كالفقه والقضاء والفلسفة والعربية وما يتفرع عنها ، ولم يقف علمه بالفقه عند علمه بنصوصه وأحكامه ومداركه ، بل تجاوزه إلى العلم بأدوات الفقه وكل ما يتوقف عليه من العلوم كعلم الحساب ، فلقد كانت معرفته بالغة حد الاعجاب من معاصريه ومن جاء بعدهم من العلماء وأئمة المذاهب ، بل أن أكثر المتأخرين عنه ينتهي علمهم إليه . ويجمع الرواة على أن النبي ( ص ) قال للمسلمين : أتقاكم علي ، فقد كان اقضى أهل زمانه لأنه كان اعلمهم بالفقه والشريعة وهما المصدر الأول للقضاء ، ولقد أوتي مع ذلك من قوة العقل ما يكشف له عن الوجه الأقرب إلى الصواب والمنطق ، وأوتي من صفاء الوجدان وسرعة الانتباه ما سهل له استخدام علمه في حل الخصومات وكان اسبق القضاة إلى اقرار ما يسمى بالحق العام مراعاة لفكرة العدل بين الناس بدون نظر إلى موقف الجانبين المتخاصمين ، وفي ذلك ما فيه من الاحترام للنظام العام وتأكيد العدالة بين الناس وواجبات الافراد نحو المجتمع الذي يعيشون فيه وقد سبق بذلك زمانه في مراعاة هذا الحق بعشرات السنين . لقد سمع في احدى الليالي صوت مستغيث يدعو من يجيره فهرع إليه بنفسه مسرعا يقول قد أتاك الغوث والفرج ، وما لبث أن رأى رجلا يمسك برجل امساكا شديدا ، ولما أقبل عليه أمير المؤمنين خلاه ، وقال يا أمير المؤمنين : لقد بعت هذا الرجل ثوبا بتسعة دراهم فأعطاني دراهم على غير الشرط ، ولما طلبت منه غيرها شتمني ولطمني لطما موجعا . فقال علي ( ع ) للمشتري : أبدلها له ، وطلب من المدعي بينة على اللطمة ، فجاءه بها فقال للمضروب اقتص منه . فقال : لقد عفوت عنه . فقال لك ذلك ، ولكن بقي عليه الحق العام ومقتضاه أن يعاقب وينال جزاءه ليكون عبرة لكل من يفكر في الاعتداء على الناس ويعبث بحقوقهم وكرامتهم ولا يحترم النظام ، وبما أنه هو المسؤول عن حماية المجتمع من الفوضى والفساد فقد امسك بالضارب على مشهد من المضروب ولطمه بيده تسع مرات وقال هذا حق السلطان . وكما ذكرنا لقد كان المصدر الأول لجميع العلوم التي ظهرت بعد زمانه فقد